ثلاثة ثقوب

15 مايو 2012

يدس أصابعه في الثقوب الثلاثة أسفل حلقه، لكنها نحيلة والثقوب واسعة. أي شوكة كانت التي أحدثتها؟ أي شيطان ذاك الذي انتقم منه؟ لا يذكر. لا يعرف سوى أن الثقوب كانت هناك منذ وقت طويل.

منذ أن كان طفلاً ومعالم وجهه طرية، قابلة للتغيير. اعتاد على سحب عينه اليسرى للأسفل، قريبةً إلى ذقنه. فيما كان يمط زاوية فمه اليمنى لأعلى، ليصير جرحاً واسعاً يتوسط وجهه. “إنه التوقيت، التوقيت غلط”، يقول لنفسه في أحيان العمى. “هذا ليس مما يمكن إصلاحه”، يقول لنفسه في لحظات الصفاء.

“هذه الخيالات كلها، أنت، مجرد خربشة على هامش مجلد ضخم. لا تتوهم. الوهم موجع أكثر”، يفكر. ثم يفكر: “أمن شيء موجع أكثر؟”. ثم يفكر: “بلى”.

“هؤلاء الناس، كلهم، الجميلون والقبيحون، الذين يصغون للموسيقى والذين يأكلونها، الذين يلمسونني عابرين، والذين أطعنهم قاصداً، كلهم، ماذا أفعل بهم/معهم؟ نحن محبوسون في جلودنا. ألا ترون؟ نحن لا نفيد بعضنا. لا يمكننا ذلك”.

تحرق الفكرة نحره المثقوب، ولا يقول. هو لا يقول. “أريد أن أًجلِسكم، أجلس معكم، وأهمس في آذانكم: انتبهوا! ألا ترون؟ السماء بها ثقوب، ونحن أيضاً. تحسسوا ثقوبكم. ألا ترون؟”. لكنه لا يقول. “أيهما أسوأ: الوحدة أم احتقار الذات؟”.

أقرأ باقي الموضوع »

رسالة إلى زملاء العهر

20 أبريل 2012

الإخوة والأخوات في الجهات الرسمية “المعنية” بشؤون الأسرى في سجون الاحتلال وبحل “مشكلتهم”، وفي الحركات والنوادي والجمعيات التي تتحدث باسمهم وتزعم الدفاع عنهم وعن مطالبهم، وفي وسائل الإعلام التي تدير مؤخراتها لهم وتدلي ألستنها لمؤخرات أصحاب السلطة والمال؛ الإخوة والأخوات الذين أرهقتهم أخبار الإضرابات المتتالية وأضجرتهم نقرات الـ share والـ retweet، الذين يتابعون أشغالهم في الجامعات والشوارع وبيوت العبادة وبيوت الدعارة، غارقين في حيواتهم شبه الطبيعية، صارفين أوقاتهم وطاقاتهم في تنسيق ملابسهم وتجهيز موائدهم وعدّ ركعاتهم وتخمين موعد مصارحة البطلة التركية بحبها للبطل التركي، كأن لا جديد في  منسوب وضوح الوطن؛ زملائي وزميلاتي في حفرة المياه العادمة المسماة حياةً،

تحية طيبة وبعد؛

بلا أدنى سند أخلاقي أو منطقي، أود أن أغتصب لنفسي الحق في أن أنوب عن 2500 أسير فلسطيني وعربي أحكموا إغلاق أفواههم عن الطعام منذ مدد تتراوح بين 54 يوماً و4 أيام، بعد أن أحكموا تأمين خطتهم النضالية بشكل عجزت قيادات 17 فصيلاً فلسطينياً في مماثلته عبر عقود من “تاريخها النضالي”، ويتعرضون على إثر ذلك لضروب من التعذيب تهندسها كل يوم مخيلة قمعية فاحشة الثراء، لأتوجه إليكم جميعاً في كراسيكم الدوارة أمام المكاتب وأسرّتكم ذات الفرشات الزنبركية ومقاعدكم الخشبية في مقاهي الإنترنت المختنقة بدخان الأراجيل، وأقول:
أبول عليكم.

 أنا،
من بقعة في الكنبة المريحة التي تلتصق بها مؤخرتي.

رصيف رطب في رأسي

15 أبريل 2012

الشوارع. دائماً الشوارع. رطبة، متعبة كخد، متحدة بظلمتها الأليفة. هذا ما تؤول إليه الأماكن الحميمة: المقاعد الوثيرة تحت النوافذ، والجميزات الضخمة، حتى الرمال، تنتهي. شارع رطب بأضواء برتقالية، بس.

ولأن شيئاً كصوت احتراق وريقات التبغ داخل السيجارة يلمسني أكثر من كتب العالم كلها، أعرف أنني أشاهد العالم من رصيفه، منصته. حتى دون ثقوب في وجهي، حتى دون أحمال من الخراء، حتى مع نصف ابتسامة. أخلع قلبي كحذاء، أضعه بجانبي وأسند رأسي إليه. هيِ هيك.. هيِ هيك. حتى وإن تمددت على ظهري، وفردت ذراعي ورجلي وأصبحت نجمة، لن أصعد، بل ستنزل على صدري غيمة، غيمة لطيفة في الواقع، أشبه بغزْل بنات ضخم، ورمادي.

لكنني على الأرض، وعلى الأرض هناك دائماً صراصير. تدخل من أذني اليسرى، تضع بيوضها، وتخرج من اليمنى. [كحل على كُم، برامج دراسات عليا في جامعات تحترم الأرقام كثيراً، محضر مؤتمر بحاجة إلى همزات، قطعة قماش لا أراها، زجاجة عرق لا أستطيع شراءها، بيوت هربت منها، مكبّات سأهرب إليها]. صراصير صغيرة، لا تفعل شيئاً سوى أنها تمر دون أن ترحل. صراصير بعدد الأشياء. حياة. ذاك الشيء الذي يجعلك تدمع دون سبب.

مغنية وقطّان بشعان وطائرة على الأرجح حربية. أصواتهم تجر حبل الوقت إلى نهايته، كأن يستيقظ أحد للتبول أو شرب الماء. أو كانقطاع دائم للإنترنت. أو كانتباه إلى أن ما يحدث في الليل عادة ما يكون مثيراً للشفقة، إلى أنني لا أخاطب أحداً، إلى أنني أجلس بشكل معتدل على كنبة في غرفة مضاءة بنيون أبيض، إلى أن الأرصفة فارغة وجافة تماماً، إلى أنني أنهي كل ما أكتبه بنفس الطريقة وقبل أقول أي شيء ذي قيمة، إلى أن ذلك الإحساس بالألفة تجاه رصيف رطب في رأسي، تلك الـ”لا بأس” لأنها “هيّ هيك”، ببساطة، لا تدوم.

جدراني العفنة

19 مارس 2012

جدراني العفنة عشرون:

أربعة بيضاء، لإبعاد الفرح غير محسوب العواقب، يتساقط طلاؤها، ويثقبها المطر وينفد.
وستة عشر رصاصية، تعلق بها أظافر مقلوعة، تتقلص كل يوم، تقطر “كَمَخة” كالتي سدّت مصرف المغسلة، ويثقبها كل شيء ولا ينفد.

هواء جديد في ليلة قديمة

12 مارس 2012

أُركضْ. أركض. الليل حلّ باكراً. أركض.

قميصي لم يعد يسعني. أين ذهب كل الناس؟ إنه ليل غريب. أُركض، أركض إلى حيث الأمور طبيعية. هل قطعت هذا الشارع في الصباح؟ الأضواء البرتقالية وثمالتها الزائفة. أركضْ إلى حيث الأضواء توحي بالمرض.

نسيت المرزبان. لا حلوى اليوم، إذن. لا جنس. لم تكن أطرافي متصلبة تماماً حين خرجت من باب البناية، لكنني لم أفكر بالعودة والسؤال. “للمرة المليون، لا تنسى الـ..”، قالت، ثم انقطع الشريط.

لا أذكر أن صنوبرةً كانت هنا. لا أذكر أن صنوبرةً بحجم الله كانت هنا. من هذه النقطة، يمتد الطريق على المحور Z، على ظهر الصنوبرة الشريرة. ينبت لي أغصان وسط هذه الغيمة الخضراء. أتشجّر. إنها تمارس عليّ سحراً أسود. لا أريد أن أصبح شجرة.

أين البيت؟ لقد أضعت الطريق. كانت معي، كنت أستخرجها وأفردها على الأرض وأمشي فوقها، وأضعتها. أصبحت بلا إحداثيات. أتحرك على محور عمودي أخضر على أرضية سوداء، على جسم صنوبرة تهزأ بي، بلا مرزبان، بلا خصيتين، وبأغصان.

لا وراء. الأجسام تنمحي بعدما أمر بها، لكنني لست خائفاً. تصلني موسيقى لطيفة في هذا المكان، موسيقى كالتي يسمعها الناس الطبيعيون بعد يوم عمل مثمر، آتيةً من وراء حائط أسود معلق في الفراغ. أمشي والصدى يعلو، وأحس بصلابة السواد تحت قدمي. أفكر، وأملؤ الفراغات التي أراها بين أسطر أفكاري، أملؤها بأي شيء. “وسادة من البابونج لفيل أخضر” تصبح جملة مناسبة لوصف ليلة يوم الإجازة.

أقرأ باقي الموضوع »

بيان

31 يناير 2012

**القيادة تحمل إسرائيل مسؤولية فشل لقاءات عمان!!**

طيب ومن غير مزح، بشرفكم يا أعضاء “الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني” هذا القرار بيسوى قعدتكم في المقاطعة وتشغلوا التدفئة والكهرباء وتجيبوا شاي وقهوة وعصير وبسكويت ومعجنات ومصاريف وبنزين وحراسة؟

الاقتباس أعلاه عبارة عن “ستاتس” للصحفي الفلسطيني رامي سمارة، العامل في راديو أجيال ووكالة وفا الرسمية. كان هذا الستاتس وراء اختطافه من مقر عمله في الوكالة برام الله عصر اليوم من قبل الأجهزة الأمنية للسلطة الفلسطينية، واحتجازه لعدة ساعات قبل أن يطلق سراحه قبل قرابة الساعتين من نشر هذه التدوينة.

ولأننا نؤمن بضرورة أن يلتزم الصحفي بثوابت مجتمعه، وألا يتطاول على السلطات الحاكمة فيه بما يخل بالنظام العام، فإننا -أنا يعني- نؤكد على التالي:

تحميل تنفيذية المنظمة لإسرائيل مسؤولية فشل لقاءات عمّان لم يكن بالأمر الهين على الإطلاق، وإن في الاستهانة به واستسهاله من الحجود ونكران المعروف ما يوجب الاستنكار. فهل يدرك رامي سمارة كم مسؤولاً اضطر للخروج من منزله إلى مقر المنظمة في أحد أكثر أيام السنة سكاعةً لمجرد أن يحضر ذلك الاجتماع؟ هل يدرك كم من الغفوات قُطعت؟ كم السهرات أُجّلت؟ كم من المعاطف ترشرشت؟ كم من المناديل الورقية استهلكت تمخيطاً وتمسيحاً وتنشيفاً؟ هل يدرك رامي سمارة حجم التضحية المتمثل في التخلي عن العشاء في أحد مطاعم رام الله لأجل الواجب الوطني المنادي؟ من قال أن المقاطعة تقدم الشاي والقهوة والعصير والبسكويت والمعجنات؟ ألا يعلم رامي سمارة أن المقاطعة بما هي عليه من رمز فلسطيني جامع لا يُقبل فيها تقديم مثل هذه المأكولات غير الأساسية بينما يرزح أكثر من نصف شعبنا تحت خط الفقر؟ أليس عيباً أن يتجاهل الصحفي الفلسطيني عذابات مسؤوليه في سبيله وسبيل قضيته؟ ثم أليس عيباً أن يحلّفهم بشرفهم؟

كيف يستهين سمارة بقيمة مثل ذاك البيان؟ إلا يعلم أننا بحاجة لفضح إسرائيل المستورة أمام المجتمع الدولي؟ ألا يعلم أننا بحاجة لإعلام العالم بصفاء نوايانا وسواد نواياها؟ ألا يعلم أننا نتقدم على إسرائيل في الترتيب العام للتعاطف الدولي بفارق كبير، وأننا بحاجة للحفاظ على هذا الفارق بإثبات أنها هي اللي بطّلت لعب، وأننا لم نكن نمانع الاستمرار في “اللقاءات” حتى الوصول للركلات الترجيحية؟

إننا من هذا المنبر الافتراضي، نستنكر ستاتس سمارة، وندين كل محاولة صحفية أو غير صحفية للطَّب في مسؤولينا بهذه الطريقة التي تعوزها اللباقة والترباية ومعرفة الأصول والمقامات. ومعاً وسوياً نحو تعاضد حكومي شعبي لخدمة الوطن موديل 2012، وإنها لثورة حتى تحميل إسرائيل المسؤولية، ورقصني يا جدع.

مفاوضات يامّا يا هبة!

27 يناير 2012

الفلسطيني في معضلة. من نافلة القول أن يصرّح بأنه قرفان، ولا يمكنه القول أنه متفاجئ أيضًا، فالخازوق هو نفسه منذ أكثر من عشرين عامًا، وإن تغيّر اللوك ليزيد صفاقة مرة تلو مرة. هو غاضب كالعادة، يريد أن يصرخ، يريد أن يصفع مُجلِسه، لكنه لا يجد سوى الحيرة أمام هذا الأخير حين يجده يدغدغه ويقدم له عرضاً ينافس به أفشخ سيركات العالم.

المفاوضات عُلّقت. طيب. عودة المفاوضات تقترن بوقف للاستيطان وقفًا كاملًا وبدء تفكيك المستوطنات. ماشي. تجميد الاستيطان وحده مش عاطل برضو، وتجميده جزئيًا بالمرة. لا لا، نحن أصحاب حق، حق كرسي أزرق في نيويورك، فليضربوا رؤوسهم بحائطنا، نحن ذاهبون. ثم مين هي أميركا؟ أصلاً نحن نبني اقتصادًا وطنيًا وبدناش جميـ.. [مكالمة هاتفية].. إحم، نحن أصلاً لا نطالب سوى بحقوقنا التي كفلتها قرارات الشرعية الدولية. نحن دعاة سلام. وعشان نفرجيكم، سنلحق الكذّاب لباب الدار (التي هي دارنا) ونستكشف الأرضية التفاوضية، فلا بد أن تكون صلبة بما يكفي لنقف عليها رافعين رِجلًا وذراعين، وألا تكون زَلِقة في حال تيسّرت الأمور وباشرنا الرقص نحو شرق أوسط جديد. لن نفاوض والعياذ بالله، نحن فقط ذاهبون إلى عمّان لنرى عِقلوا ولا لسّا، وبالمرّة بنمّيل على ابن الإنجليزية، أصله وحشنا.

إلى هنا، كانت الأمور ماخذتني على قد عقلي، وكان بوسعي أن أغضب وأشتم وأصيح كما يفعل البشر الطبيعيون حين تُدلق في وجوههم دِلاء الإسهال السياسي. لكن ما حصل بعدها لخبط كياني، ورماني في حيرة ما بعدها حيرة.

اللي في الطنجرة طالته المغرفة، وتبيّن أن إسرائيل كيان آسي وكدّاب، وخرج صائب والشلّة مقطّبين ورافعين أنوفهم عزّةً، ويرّجح أن الأمور وصلت إلى أن يرفضوا العشاء الختامي. طلّ  علينا عبّاس بعدها ليفّجر قنبلة طيّرتنا جميعًا: رغم ضغوط الرباعية ووساطة أبو عيون جرئية فإنه “رفض ويرفض وسيرفض” تمديد مهلة “اللقاءات” لشهرين إضافيين. لم ينتظر عريقات طويلًا قبل أن يطيّرنا أبعد وأبعد: إسرائيل رفضت طلبه إطلاق سراح البرغوثي وسعدات والمحكومين بالمؤبد. بنت الكلب! وأنا اللي كنت متعشّمة يمون عريقات عليها!

أقرأ باقي الموضوع »

مقبرة للحُمّص الماضي

31 ديسمبر 2011

حسناً. اليوم آخر يوم في السنة. يفترض أن أكتب شيئاً عن هذا، أليس كذلك؟ حصيلة 2011، أمنياتي لـ 2012، تجليات اللحظة الانتقالية الكبرى. هراء. الأمر أشبه بأن ينفد الحمص، فأذهب إلى الدكان لأشتري علبة جديدة. قد أرمي العلبة البلاستيكية الفارغة، وقد أغسلها وأضعها جانباً على أمل أن تفيدني بشيء، ولا تفعل. هذا كل ما في الأمر.

عوضاً عن تلك الدراما الزائدة – ككل الدراما تقريباً- سأكتب عن حلمي؛ أقصد ما رأيته في المنام، لا سخافات ما أتطلع إلى تحقيقه في حياتي.

لا أدري تماماً أين بدأت. أعتقد إنني اعتقدت أنني في رام الله، لكنني كنت أسير في شارع مدرستي الابتدائية في سلفيت، إلى جانب النخلات (هل كانت مزروعة حين كنت في المدرسة؟). تلك الطريق قادتني إلى دبي. استغرق الأمر ربع ساعة (كيف أقدّر الوقت في الحلم؟). لا أعتقد أنني دخلت إلى المدينة. أظن أنني ظللت قرب نقطة حدود تشبه محطة محروقات تشبه مدينة ملاهي. مررت بما يشبه المكب. قيل لي أنه أرشيف مجلة “العربي” الكويتية. كنا نشتريها بانتظام في طفولتي، وكنت أقص رسومات حلمي التوني. خلال الانتفاضة الثانية لم تعد تصلنا، وبعدها لم يعد الأمر مهماً.

لم أبقَ طويلاً في دبي/محطة المحروقات. قبل خروجي مررت بمحلّ هدايا يشبه محل زهور بباب العامود. كان لطيفاً رغم رائحة السمك المنبعثة من أحواض الزينة. البائعة بدت في الثالثة والعشرين من عمرها، أو كوريّة فحسب. كان شعرها ووجهها لامعين ونظراتها مرتبكة، وتبتسم لي ابتسامة اعتذارية.

أقرأ باقي الموضوع »

أبو علي والأربعين مطبّع

28 ديسمبر 2011

مشهد 1:

سيارة أجرة برتقالية من سلفيت إلى رام الله. ستة ركاب كهول، سائق كهل، وأنا. لا أضع السمّاعات وأشغل الموسيقى حال جلوسي كالعادة، أنتظر قليلاً. أبو علي – للوجوه أسماء، وهذا اسم وجهه – يتحدث. رجل في أوائل الخمسينيات، متوسط الطول، سُمرته مكتسبة، بشعر رمادي بدأ يميل إلى البياض التام، وعينين زرقاوين أعادتاني – لا أدري لماذا – إلى يافا. معطف أسود رصين، وكوفية.

“بقيت سارح جنب المستوطنة، لحالي أنا والجحشة، ولّا هو أجا هالجندي، مش مستوطن أُخرى، جندي، بيقول لي: شو بتساوي؟ بقول له: بتشغل في أرضي، بلقط زتون. قال بيقول لي: هاي مش أرضك، هاي أراضي الدولة. بقول له: هاي أرض أبوي وسيدي. قال لي: معك وراق؟ قلت له: معي وراق. قال: وأنا معي وراق”.

***

مشهد 2:

40 فلسطينياً، وإسرائيليون كُثر. قاعة حسنة التكييف والإضاءة في قلب مستوطنة/مستعمرة/بلدة أريئيل (توخياً للـ political correctness). الحضور يتبادلون الآراء حول أفضل سبيل “لإنهاء الصراع”، يتبادلون الأفكار، يتبادلون الأدوار، يتبادلون الابتسامات، يتبادلون أرقام الهواتف وعناوين البريد الإلكتروني.

أفضل طريقة لإحياء ذكرى الحرب هي العمل من أجل إحلال السلام. Group hug.

“دولة واحدة لشعب واحد”. وفي رواية أخرى “ما احنا ولاد عمّ”. برلمان موحّد، إما عبر انتخابات مفتوحة تتيح لي أن أنتدب إيلي يشاي، مثلاً، ممثلاً لي في “الدولة”، أو انتخابات منفصلة؛ الفلسطينيون ينتخبون فلسطينيين، والإسرائيليون ينتخبون إسرائيليين. هذا يسمى في علم السياسة “دراسة جميع البدائل الممكنة”، ويمكن تلخيصها في هذه الحالة بـ “سوليتير ولّا باصرة؟”.

***

تنويه: المشهد الأول واقعي، وحدث في اليوم ذاته الذي علمت فيه بخبر المشهد الثاني، والذي هو واقعي أيضاً. وفي جميع الأحوال، ** إم الواقعية.

الحرّية لرزان.. الحرّية لسوريا

14 ديسمبر 2011

نحن مجموعة من المدونين والناشطين الشباب الفلسطينيين نطلق صرختنا مرة أخرى تضامنًا مع كافة معتقلي الثورة السورية العظيمة جميعهم/ن من ناشطين/ات، فنانين/ات، مدونيين/ات وغيرهم الذين أطلقوا ولا زالوا يطلقون أصواتهم عاليًا في الشارع وعبر المنصات المختلفة مطالبين بالحريّة والعدالة ووقف الظلم والاستبداد وسياسة كمّ الأفواه التي يتبعها النظام السوري منذ ما يزيد عن أربعة عقود سنوات.

نطلق بياننا هذا، تضامناً معهم ومع المدونة السورية رزان الغزاوي والتي لم يتوقف يومًا دعمها ومساندتها للقضية الفلسطينية، وكانت أول من تضامن مع المدونين الفلسطينيين الذين لم يحصلوا على تأشيرات دخول للمشاركة في مؤتمر المدونين العرب الأخير في تونس. وكانت رزان قد نشرت تدوينة لها في العام 2008 إبان الحرب على غزة بعنوان “حول فكرة “التضامن” مع غزة”، قائلة: أفهم أن يتضامن سكّان كوبا والبرازيل وباكستان مع غزّة، لكنّني لا أفهم حين يتضامن السوريون واللبنانيون والأردنيون لا بل الفلسطينيون في الشتات مع غّزة، فماذا يُقصد بالتضامن هنا؟”.

لا نتضامن مع رزان الغزاوي و150 معتقلة سورية وكلّ المعتقلين فقط، بل نعلن أن مصيرنا وهمّنا ونضالنا واحد، وأنه لا يمكن لفلسطين أن تتحرر لطالما بقيت شعوبنا العربية تعيش تحت الأنظمة الرجعية والظالمة، وأن فلسطين ستكون حرّة حين تكون سوريا حرّة ويعيش الشعب السوري بكرامة.

الحريّة لكلّ المعتقلين في سجون النظام السوري. وتحيا الثورة السورية، حرّة من الدكتاتورية، و ومن التدخّل الخارجي، ومن الطائفية.

الموقّعون:

اباء رزق، أبرار عقيل، أحمد فاهوم، أحمد نمر، ارين ناصر، أسامة شومر، أسامة غراب، أسماء الغول، أماني اغبارية، أمل مرتجى، أنس حمرا، بدور حسن، بشار لبد، ثمينة حصري، جلال أبو خاطر، حمزة البحيصي، خالد الشهابي، دالية عثمان، داليا غراب، دعاء علي، ديانا الزير، ديما السعافين، رشا حلوة، روان أبو شهلا، سائد كرزون، صالح دوابشة، عبير قبطي، علا عنان، علاء أبو دياب، علي أبونعمة، علي باري، علي المصري، عمرة عمرة، فداء أبو عاصي، فرح برقاوي، لينة السعافين، مجد كيال، مريم البرغوثي، معاذ مصلح، مها رزق، ميرا البابا، ميرا النابلسي، نادر الخزندار، نادين درويش، نالان السراج، نسرين مزاوي، نهال العلمي، هلا الصفدي، هناء محاميد، هويدة عراف، يسرى جاموس.

___________________

* على الرغم من تعقيدات مخاض الحرية السوري ومضاعفاته، إلا أن شيئاً واحداً -واحداً فقط- مؤكدٌ وسط فوضى الدم هذه: الحرية لا تُجزّء، لا تُؤجّل، ولا يُستعاض عنها بشيء. الحرية أهم.


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 939 other followers